احمد ياسوف

17

جماليات المفردة القرآنية

لمشاعر راقية . وفي منظور الغزالي يتمتع الجمال الموضوعي بصفة الجمال عندما تحضر فيه الصفات اللائقة به كما خلقها اللّه عز وجل ، إذ يقول : « كلّ شيء فجماله وحسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له ، فإذا كانت جميع كمالاته الممكنة حاضرة ، فهو في غاية الجمال ، وإن كان الحاضر بعضها فله من الحسن والجمال بقدر ما حضر - ولكل شيء كمال يليق به ، وقد يليق بغيره ضدّه ، فحسن كل شيء في كماله الذي يليق به ، فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس » « 1 » . وهذا يذكّرنا بتأليف الأعضاء كما جاء عند الجاحظ ، فالجمال متفاوت ، لأن هناك نسبا مختلفة في حضور الصفات الجميلة ، وهذا يصل بالغزالي إلى أن الكمال للّه وحده ، إذ يقول : « وأما كل مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص ، بل كونه عاجزا مخلوقا مسخّرا هو عين العيب والنقص فالكمال للّه عز وجل وحده ، وليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه اللّه » « 2 » . وهذا أيضا يذكّرنا بفيض الحسن من الخالق على المخلوقات ، كما ورد عند أبي حيان التوحيدي . وبما أن المقصد من ذكر حب الجميل أخلاقي ديني عند الغزالي ، فإنه لا ينسى أن يذكر الجمال المعنوي ، إذ يقول : « إن الجمال والحسن موجود في غير المحسوسات ، إذ يقال : هذا خلق حسن وهذا علم حسن ، وهذه سيرة حسنة ، وهذه أخلاق حسنة ، وشيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة » « 3 » . فالجميل عند الغزالي مطلق ، وهو الخالق عزّ وجلّ ، ومنه يفيض الجمال على الأشياء ، وجمال موضوعي محسوس يعتمد على الحواس ، وجميل معنوي يعتمد على البصيرة ، كحبّ العلماء والعلم والطاعات والأخلاق

--> ( 1 ) أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين : 4 / 316 . ( 2 ) أبو حامد الغزالي ، إحياء علوم الدين : 4 / 322 . ( 3 ) المصدر نفسه : 4 / 316 - 317 .